الحركة الدستورية الإسلامية

0
30

بقلم: عثمان الثويني
بعد تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي الغاشم، كان لزاماً على المكونات والمجاميع السياسية والاجتماعية أن تخطو خطوةً إلى الأمام من أجل الارتقاء بالحياة الديموقراطية داخل دولة الكويت، وكان أحد نتاجات تلك الخطوات تأسيس (الحركة الدستورية الإسلامية) في عام 1991 التي كانت تعبر وبشكل واضح عن المؤمنين بالنهج والفكر الإسلامي الوسطي المؤطر بالقواعد والأحكام التي كفلها دستور1962، ومنذ ذلك العام إلى وقتنا الحالي والحركة مستمرة في التعاطي مع متغيرات الحياة السياسية بشكل سلمي دون الخروج على القانون أو الأعراف.
إن النظام الاجتماعي الحاكم لكل جوانب حياة الشعب الكويتي لم تكن (حدس) يوماً بمعزل عنه، فكونت على مدار العقود الماضية علاقات متميزة بجميع الأطراف دون أن تقطع حبال وصلها حتى مع المخالفين لها بالمنهج أو الوسيلة، فهي تؤمن أن استقرار المجتمع وتقدمه وازدهاره ونيل حقوقه لن يكون إلا من خلال العمل المشترك المبني على احتواء الجميع والتواصل مع الجميع، فكانت هي حجر الزاوية الذي ترتكز عليه الكتل المشكلة من مجاميع وتيارات ومستقلين، ولا غرابة في ذلك حين يثق الآخرون بالحركة والتزامها بالموقف أو القرار ويرتكزون عليها لأن أدبيات منهجها وآليات اتخاذ القرار فيها وهياكلها ومكاتبها وجمعياتها كلها مبنية على الالتزام وأصول العمل الجماعي من حيث النظرية ومن حيث التطبيق.
(حدس) تجمع بشري شأنه شأن أي تجمع بشري آخر، التف حول مبادئ ونظم وآليات ارتضاها كل من قبل أن يكون عضواً فيها، ومما لا شك فيه أن تقدير المواقف وتقييمها والقرارات المتخذة بعد ذلك جميعها تعتريها الصحة أو الخطأ كون الناتج بشري بحت، ولكن وجود الآليات والنظم والمراجعات البعدية هي من تحافظ على الرشد في القرارات المستقبلية.
ولعل أهم الركائز التي ينبني عليها تجمع (حدس) هو تمكين المنتسب مهما كان قربه أو بعده من دائرة اتخاذ القرار النهائي من إبداء رأيه وبكل حرية دون توجيه أو تحيز، وكذلك ترشيد عملية اتخاذ القرار الذي يبدأ من دائرة شورية واسعة حتى يأخذ دورته وصولاً للقرار النهائي، بل وإن هياكل اتخاذ القرار في الحركة تتكون من خلال عملية انتخابية تسودها مبادئ الأخوة الإسلامية من ناحية، والشفافية والحيادية من ناحية أخرى، والركائز الثلاثة السابقة هي ما تجعل المنتسبين يحافظون على التزامهم القوي بالقرار النهائي الخارج والصادر من أمانة الحركة أو جمعيتها العامة، فهو تجمع بشري حُفظت فيه الحقوق والواجبات، ووزعت فيه المهام والمسؤوليات.
إن الناظر إلى بعض ما يُثار من تعدد أسماء المرشحين المنتسبين إلى (حدس) لخوض انتخابات مجلس الأمة خلال السنوات الماضية في نفس الدائرة الانتخابية، سيتبادر إلى ذهنه أن هؤلاء دارت بينهم (داحس والغبراء)، بل وقد يذهب به التفكير إلى أن الحركة قد فقدت بنيتها الهيكلية في اتخاذ القرار ومنتسبيها قد تجاوزوها، والحقيقة أن (حدس) ومن تجربة تجاوزت ثلاثين عاماً باتت مدركة أن قياس من لديه رغبة الترشح لمدى قبول المجتمع له وفرص نجاحه، لم تعد كما كانت بالسابق لعوامل عدة أهمها أن طرق عرض المرشح لنفسه على المجتمع قد تغيرت وتطورت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من ناحية، وتسارع الانتخابات تلو الانتخابات وما يصاحبها من جهد بدني وعقلي واجتماعي من ناحية أخرى، فالحركة ومن خلال آلياتها الداخلية أتاحت لمن لديه الرغبة بالترشح أن يطرح نفسه ويعلن عن رغبته في محيطه الأسري وعلاقاته خارج إطار الحركة مع التأكيد على أنه ملتزم بالقرار النهائي الذي سيتم اتخاذه داخل هياكل الحركة، وخلال السنوات الأخيرة الماضية كان هناك العديد من المنتسبين ممن مارسوا هذا الحق، ولكن وبعد أن تم اتخاذ القرار النهائي ولم يكن الاختيار عليهم التزموا بالقرار، والذي يعد من الواجبات، واستمرت الحياة داخل الحركة.
الحقيقة أن العمل الجماعي يُشعر الملتفين حول غاياته بأن بينهم رابطاً يفوق ويتجاوز حدود القرارات المرتبطة بموقف ما، فهم مدركون تمام الإدراك أن العقول المجتمعة خير من العقل المنفرد، وأن الزوايا المتعددة للسائر على الطريق تقلل من فرص انحرافه عن المسار، وأن مرضاة الله، ومصلحة الوطن، والحفاظ على مكتسبات الأمن والأمان، وتثبيت الحقوق والواجبات الدستورية، والعمل نحو حياة مليئة بالقيم والفضيلة والشريعة هي البوصلة للحركة الدستورية الإسلامية.